أبعاد ظاهرة الحجاب والنقاب – البُعد الاخلاقي ... بقلم سيد القمني+

يضرب لنا القرآن مثلاً بقصة النبي يوسف و امرأة العزيز التي أثارت شهواتها مفاتن النبي المليح ، فظلت تطارده و تنصب له الكمائن و تتحايل عليه ليطفأ ثورة شهوتها المتقدة لهفاً عليه ، و هو ما يعني أن امرأة العزيز رأت في يوسف ما شغفها به حباً و كاد أن يهم بها لولا حرصه على عفته ، فحادثة الزنا لها طرفين إن امتنع أحدهما لم تقع ، كما حدث في القصة القرآنية بمحافظة يوسف على عفته. و أن الذي حرك شهوات امرأة العزيز و كسر عفتها هو رؤيتها لشاب مليح ، و هكذا لا تفهم كيف يكون الحجاب صانعاً لعفة المرأة ، لأن امرأة العزيز منتقبة كانت أم سافرة ، فإنها كانت ستشتهي الشاب المليح ، و لو لم يكن يوسف معصوماً بعفته لتمت الجريمة بفعل و تحرك و اشتشهاء امرأة العزيز

هنا أزعم أن النتائج المترتبة على تنقيب المرأة هي على عكس المراد منه بالمرة ، لأنه أوسع الأبواب للمرأة لكسر قيمة العفة و كل ما يرتبط بها من قيم ، النقاب هو الباب السحري إلى الرذيلة العلنية.

تعالوا نتفهم الموقف: هل سيقوم النقاب بإلغاء شهوات المرأة و يمنع رغبتها في الاتصال الجنسي بغريب عنها؟

لقد أحاطنا القرآن علماً أن الشهوة – كما حدث مع امرأة العزيز- تأتي من العين و من المشاهده و المعاينة و الرؤية ، و النقاب لن يمنع كل هذا ، فالعين ترى و تزني كما في صحاح الأحاديث . و المرأة المختفية وراء نقابها سيتاح لها إطالة النظر و التمعن و التأمل في تقاطيع الشاب المليح فتتصاعد شهوتها و تتزايد مع استمرار التأمل الشهوي ، و هي مخفية بنقابها ، مطمئنة لعدم معرفة الناس لشخصيتها ، و هو ما يعطيها فرصة للتملي و التشهي مع مقبلات تخيلية للحالة الشهوية مما يرفع درجة الاشتهاء ، ليدفعها للاحترار النزوى لمحاولة الإغواء دون خشية من فضيحة ، و إن صادفها صد من الشاب المليح لعفته مثل يوسف ، فهي آمنة و لن يذهب ليحكي عن التي غازلته و هو لا يعرف من هي ، بينما لو كانت سافرة و نظرت إلى مليح باشتهاء سيلاحظها الناس ، مما يؤدي إلى حيائها و خجلها و الحرص على سمعتها ، مما يردعها عن الاستمرار في النظر الشهوي . فالعيون حولها تحسب عليها الشاردة و الواردة لذلك تحرص على أن تبرز كصورة كاملة للعفاف . ألا ترون معي أن النقاب هو تمكين للمرأة من هتك ستار العفة و ليس العكس ، بل هو أيسر السبل إلى الرذيلة.

إذا كان الحجاب و النقاب من شئون الدين ، فإن الدين أكمل من أن يضع مثل هذه الشروط المعكوسة التي تؤدي إلى نتائج عكسية. كذلك لا يليق بأي دين أن يكيل بمكيالين ليحمي طرفاً دون طرف ، فيحجب المرأة و ينقبها و لا يحجب الرجل و ينقبه ، و الله ليس بغافل عن شهوات خليقته و أوضح لنا ذلك في قصة يوسف و امرأة العزيز ،إن الدين لا يحمي فريقاً من اتباعه دون فريق ، و لا يميز بين أتباعه و لا يستقوى على الأضعف ظاناً أنه يردعه بينما هو يدفعه دفعاً إلى الرذيلة .

إذا كان الدين يضع قيوداً على النساء طلباً للعفة فيلزم أن يضع مقابل ذلك على الرجل تحقيقاً للعدالة ، لأن الشهوة عند كليهما ، و لأن العفة يجب أن تكون لكليهما ، و لأن كسر العفة بالزنا يلزمه كليهما ، و أن الحدود تقع على كليهما ، و لن يحمل طرف مسئولية جريمة مشتركة بين اثنين دون الطرف الآخر.

يضاف إلى هذا خاصية خلقية تجعل النقاب طريقاً مفروشاً باليسر و السرية إلى الرذيلة ، هو أن المرأة لا تفشل في اتمام الفعل الجنسي فهي قابلة له طول الوقت ، لعدم حاجتها حاجة الذكر للانتعاظ ، هي فقط تعطي الإشارة التي تعرب للرجل عن رغبتها ، و تترك له باقي المهمة التي قد ينجح فيها أو يفشل حسب ظروفه الصحية و النفسية و مدى هدوءه أو توتره ، فالرجل قد يفشل ، أما هي فلا تفشل ، قد تقع الجريمة من الرجل أو قد لا تقع حسب حالته ، لكنها واقعة حتماً متى أرادت المرأة إلا مع من رأى برهان ربه و حرص على عفته كما حدث مع يوسف الصديق.

إن إكراه المرأة بحبسها في البيت ، أو دخولها الدير رهبنة يحافظ على العفة لعدم وجود ذكر و الرؤية و الاشتهاء ، لذلك يجب أن تكون العفة قناعة داخلية بقيمتها بوازع من ضمير يتم تربيته في الطفولة المبكرة ، فيصنع العفة الحقيقية ، لأني عندما أمنع نفسي عن لذة متاحة غير علنية فإني أكون مقتدياً بالصديق يوسف ، لدي عفة داخلية تمنعني عن امتهان نفسي بفعل شهوي غير قيمي أخلاقياً . يهين الرقي الأخلاقي لإنسانيتي ، و عندما يقول أحدهم اليوم أن الحجاب عفة فإنه يكون أول طاعن في الدين ، لأنه يصور ديننا غير قادر بذاته و ممكناته البرهانية على خلق عفة داخلية لدى المؤمنين ، هو كمن يقول أن قرآنه و حديثه و كل إيمانه غير قادر على خلق عفة للمؤمنات. و هو ما يعني أن رجال الصحوة قد أمسوا غير واثقين فى أنفسهم بالمرة ، وأيضا غير واثقين فى نسائهم ، و غير واثقين من قدرة الدين على ردعهن ، فذهبن إلى الأداة الإكراهية الخارجية

رغم أن الفلاحة المصرية كانت تتعرى و هي تعمل في طين الأرض الطاهرة ، و أن المعلمة المصرية كانت تقف في الأسواق سافرة متبرجة تدير أعمالاً و تشغل أموالاً و رجالاً عتاة جبابرة ، و عفتها محمية بذاتها لا يجرؤ رجل على خدشها ، بينما المنتقبة في قصور الحريم ظلت في الحكي الشعبي الدرامي لعازف الربابة ، رمزاً لإنعدام العفة في سعيها لاشباع شهواتها مع أي إنسان حتى لو كان من عبيدها ، بل يصل المدى إلى معاشرة الحيوان طلباً للاشباع كما في الملاحم الشعبية و ألف ليلة و ليلة

ملحوظة أخرى لا تفوت فاحص ، هى ما صاحب الصحوة و حجابها و نقابها من ألوان زواج غريبة ، و الأغرب أنها مشروعة بفتاوي مشايخنا ، رغم أنها لا تنشئ أسرة و هي الهدف من الزواج ، و ذلك مثل الزواج العرفي و الهبة و المؤقت و السياحي و المصياف و المسيار و الفريند ، و هي ألوان لم تعهدها مصر قبل اصحوة ، و ما كانت الواحدة من أمهاتنا أو جداتنا السافرات تقبل عرضاً بزواج كهذا ، لأنه كان يعني الإهانة الكاملة للعرض و الشرف و العفة و الكرامة الإنسانية ، و لو قال أحدهم بمثل هذا الزواج حينها لرموه بألف نعل و نعل.

إن العفة الحقيقية تكون عندما تكون السبل ميسرة إلى كسرها ، لكننا لا نكسرها احتراماً لذواتنا الآدمية الراقية ، العفة الحقيقية تحدث عندما توجد المثيرات و نعف عنها كما عف يوسف ، و إن انهيار العفة في بلادنا جاءنا ضمن منظومة كاملة ، تبدأ بأن الرزق لا حيلة فيه لأنه بيد الله مهما تكاثرنا و تناسلنا ، فضاعت الأسرة و تربى الأبناء في الشوارع ، و لم يتلقوا الجرعة التربوية اللازمة لنقش القيم في أرواحهم و هي بعد غضة تتشكل.

لذلك جاء معه بالحجاب و النقاب و معه ألوان فضائحية لأنواع زواج هي إهانة بكل المعاني لأي امرأة محترمة مسلمة كانت أو غير مسلمة و لمعنى الزواج نفسه. إن قيمة امتناعي عن الخمر لا تكون قيمة إلا عندما يتوافر الماء و الخمر في السوق فأختار الماء صوناً لآدميتي من ارتكاب زلل قد يهينه السُكر ، أما عندما لا تتوفر الخمر بجوار الماء فلا مجال للحديث عن قيمة إنما عن قمع فقط .

لأن الثقافة الجنسية في بلادنا لا تعدو متعة الفعل الشهوي للذكر وحده ، دون لوازم أخرى ضرورية لصنع الحب السليم بين الطرفين ، فإن الزواج يقوم أساساً على المذاهب السنية الأربعة مع الجعفري على مبدأ المتعة و الاستمتاع بالأنثى ، لذلك يقال عنها متاع ، و يقال أيضاً للأريكة و الحمار و الفرس متاع ، و يقال عنها هي الفراش ، فهي ليست طرفاً له أي دور في الموضوع ، هي محل متعة الرجل أما إنسانيتها و كرامتها و حالتها النفسية و صحتها الجنسية كل هذا غير موجود في موضوع الزواج بالذات ، لكنه موجود في حالة الزنى حيث بإمكانها أن تقبل أو ترفض ، أما في الزواج فالجنس جبري على المرأة حتى لو كانت على التنور أو فوق ظهر قثب . لذلك يكوت الزنا هو الألذ لأنة قام على اختيار ورغبة ، لذلك يجوز لنا الاعتداء على طفولتها البريئة بالختان الجائر أو غير الجائر كعقوبة مُقدمة ثم نعزلها بالحجاب و النقاب لحفظ عفتها ، بينما هي طوال الوقت في حالة تهيج دائم بزوجها الذي يمارس دون اشباع لغريزتها المختونة لبلوغ الأورجازم ، و لا تصله إلا بشق أنفاس الزوج حتى الموت

  • تعالوا معي ننظر إلى نساءنا المسلمات المهاجرات إلى بلاد الغرب العاري ، ستجد أن ما يصون عفة نساءنا هناك ليس الحجاب و لا النقاب ، إنما يصونها الوازع الأخلاقي الذي تربي عليه الشارع الأوروبي ، هذا الشارع يغص بالفاتنات الرشيقات الحمراوات البضات مليحات القد الرقيقات . . قل ما شئت أو تَغنى ، و مع ذلك لا يتعرضن مع ملبسهن الكاشف للاعتداء ، فماذا عن الرجل المسلم في شارع الفاتنات الغربي؟ ما بالة لايفعل معهن ما كان يفعلة مع بنات وطنة و لا يعتدي عليهن و لا يتجرأ على التحرش بهن و لو لفظاَ ، لأن المجتمع حوله سيتدخل فوراً ناهيك عن الردع القانوني المُغلظ ، لذلك هو بدوره يعف عن الفاتنات ولو مُكرها ، لديهم أمن و سلام اجتماعي رغم أنهم لا يملكون هيئة للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر؟ !! و من لديهن مثل تلك الهيئة يختطفن الرجال الملاح. و لأننا أصحاب الأعاجيب ، فجأة تصيب العدوى مسلمي المهجر ليرفعوا في أوروبا ذات الشعارات بالحجاب والنقاب (الحجاب و النقاب عفة و طهارة) . فإذا كان النقاب يخلق لدى المرأة العفة ، و أي امرأة في الدنيا لو سألتها ستقول لك أنها تطلب العفة ، فلا يبقى سوى أن يقنع المسلمون مجتمعات مهجرهم بقيمة النقاب و فوائده ، كما اقتنعونا بسياراتهم و طائرتهم و أزيائهم كالبدلة و الكرافته ، لماذا لا يقدم المسلمون لبلاد مهجرهم الأدلة و البراهين المقنعة على عائد هذا الزي الإسلامي و ما سيحققه من فوائد مُنتظره ، و ربما تنمكنوا من إقناع أهل الغرب كما اقنعونا ، أم أنهم شطار و لهاليب معنا وحدنا؟ و ربما اقتبس الغربيون النقاب كظاهرة صحية تدل على سلامة المجتمع و أنه مستقر عقلياً و أخلاقياً ، حتى نصحو يوماً على نصر إسلامي و فتح قريب ، فنجد نساء اليابان و أمريكا و الصين و قد تنقبن ، و نكون قد فتحناهم دون غزو و قتال و دمار ، و هي كما نعلم شعوب تتميز بالقابلية للتعلم و الأخذ بالجديد لكن بشرط الاقناع و البرهان و الدليل.

مسلموا المهجر لا هم اندمجوا في ثقافته و لا هم علموهم ثقافتنا ، و مع ذلك يصرون هناك على إثبات الزي الإسلامي الموحد ، تمييزاً طائفياً للإشارة إلى التميز بالإسلام ، لأنه ليس لديه ما يفخر به من إنجاز يديه ، فيفخر بدينه الذي لم يختره و ربما لا يعرفه. و لا يبقى سوى أن ارتداء هذه الأزياء في الغرب هو تحدي للأمم المضيفة و لقواعدها ، لإثبات تميز ديني إضافة للتميز الطبقي والتميز الخلقي ، لأنه إذا كان القصد من النقاب و الحجاب هو العفة فمعناه اتهام لكل المجتمع الغربي بالعهر و الدعارة ، و أن العفة و الطهارة ميزة طائفية تخص نساء المسلمات وحدهن. هذا رغم أن المجتمع الأوروبي يعمل بوازعه الداخلي الذي يحترم الأخر و حرياته و عقيدته ولا يقبل أى تمييز بين أعضائة ، لذلك لا يعتدي الرجل الغربي على المسلمة ليجرح عفتها و طهارتها حتى لو سارت في الطريق العام ملط زلط . حضارة الغرب آمنة بالوازع الأخلاقي الضميري ، و الأوروبي لن يترك فاتنات قومه ليغازل نساءنا (عافاك الله!) ، و المعنى أن الزوج المسلم لن يخشى على زوجته أن يلتهمها الرجال الأوروبيون ، بل العكس هو الممكن حدوثه ، أن تلتهم المسلمة الأوروبي المليح كما حاولت امرأة العزيز. لذلك فإن الحجاب و النقاب في أوروبا هو شعار سياسي تمييزي طائفي طبقي بدائي ، لا يحقق عفة و لا يصنع طهارة كما يقول الإعلان الترويجي الكاذب و الشرير.

هو في أوروبا شعار تمييزي يتعالى على أهل البلاد بفضيلة وهمية ، و هو هارب إلى جنة بلادهم من جحيم بلاده . و إذا كنا نعلم بالإحصاءات المعلنة في بلادنا حجم حوادث الشرف ، سنجد أن الحجاب أو النقاب لم يخلق عفة في بلادنا ، فهل بإمكانه أن يخلقها للأوروبيات؟

إذا كانت العفة في الغرب لا تقوم على استخدام أدوات خارجية حاجبة او مانعة ، و إنما تقوم على الضمير الأخلاقي ، فلماذا تلبس المسلمة الحجاب هناك او النقاب و تستشهد في سبيله ، مادام الغربي لن يشتهيها و لن يغازلها و ستظل محتفظة بعفتها؟ حجابنا في أوروبا عودة للعصور الوسطى ، إلى زمن التمييز بين الناس على أساس ديني ، عندما كان اليهودي يلزم بالزي الأصفر ، و القبطي بالصليب الخشبي الثقيل و حلق مقدمة رأسه و لبس خفي نعل بلونين مختلفين ، و المسلم يلبس الأبيض و يعاقب الذمي الذي يلبس العمامة البيضاء بالجلد لأنه أراد الارتقاء لطبقة العربي المسلم تزييفاً ، كمن زور بطاقته الشخصية ، و الحجاب و النقاب من زمن كاننت فيه الولاءات دينية و الحروب دينية و الهويات دينية و الحكومات دينية ، فكان الدين هو سيد الموقف في العصور المظلمة من تاريخ الإنسانية.

و المرأة منقبة أو غير منقبة عندما تبحث عن إشباع الغريزة لا تخضع في بحثها لما يخضع له الزواج من شروط التكافؤ و المستوى الإقتصادي و التوافق العائلي و العلنية و المهر و الحسب و النسب و الدين ، لذلك سترتمي في أحضان القادر على الإشباع لأن الزواج لم يشبع بضعها المختون ، و المنتقبة أولى بالقدرة على ذلك لإستتارها ، حتى أن يهود زمن البطاركة الأوائل كان لديهم عرفاً مسنوناً بعدم كشف وجه الداعرة المنتقبة حتى لا يعرفها أحد ستراًً لها ، و هو ما تجده في قصة بوعز و تامارا عندما كان النقاب زياً خاصاُ بالعاهرات يُعرفن به فكانت المنتقبة تعلن بنقابها عن الرغبة فى لفاء جنسى سريع ومؤقت وينتهى دون ان يعرف الذكر من كانت شريكتة فى الفعل ، أما العفيفات فكُن هن السافرات . لذلك إن وجدت الشهوة المقموعة بأداة خارجية الفرصة ، فستنطلق دون أى شروط بلا رابط و لا ضابط لأن المنتقبة مستورة مطمئنة البال هادئة الجأش ، لأنها غير محمية و غير مصونة بتربية الضمير الأخلاقي في الطفولة ناهيك عن قمعها بالنقاب

هذا كله ما تعلمته مصر من الدرس الأوروبي منذ 1919 و حتى نهاية الستينات في القرن الماضي ، لذلك نعم الشارع المصري بالأمان الأخلاقي دون شعارات بترودولارية ، احترم طرفا المجتمع بعضهما و اعترف كل منهما بحقوق الآخر ، و احترموا المشترك الاجتماعي بينهم كالحريات الشخصية ، لذلك كانت المصرية المسلمة و المسيحية و اليهودية و بنات الخواجات يسرن في مصر بلا حجاب و لا نقاب ، آمنات على عفتهن ، و لم نر من السافرات فُجراً إلا بالنسب الضئيلة المسموح بها في أي مجتمع سليم. و لو قلنا أنهن كن فاجرات لسفورهن فكأننا نطعن في شرف المجتمع كله ، لقد أدرك المجتمع حينذاك أن الحجاب و النقاب أو البيشة و اليشمك قد أديا دورهما بتعريف المجتمع معنى العفة ، و تم المراد من رب العباد ، و عاد الرجال واثقون بنسائهم و النساء واثقات برجالهن ، و أن كليهما فاضل كريم عفيف ليس بحاجة إلى الأداة القامعة التي أدت وظيفتها و انتهى أمرها ، فليس من المقبول أن يظل مكسور اليد ملفوفاً بالجبيرة بعد شفائه . عرف المجتمع المصري الواثق من نفسه أن نسائه مكتفيات و لسن بحاجة لعفة خارجية ، فخلعت أمهاتنا و جداتنا الأداة القامعة تعبيراً عن رأي الرجال فيهن ، و كانوا نعم الرجال أفعالاً و أقوالاً ، كانوا رجال النهضة و التنوير ، و كن نعم الأمهات و الجدات . لقد كانت العفة في بلادنا قبل الصحوة السبعينية مصانة و بألف خير ، و عندما بدأ الفرض و التدخل الخارجي تراجع الضمير و أخلى نفسه من المسئولية الأخلاقية برضى و موافقة المجتمع ليسلمها لمشايخ الوهابية.

ثم أنه إذا كان لابد من استخدام أداة خارجية لصون العفة ، فستكون خياطة الفرج هي الأنجح و ربما كان حزام العفة هو الأكثر نجاعة ، لأن النقاب يسمح للمرأة بالرؤية و الاشتهاء ، و رجال اليوم ليسوا كيوسف الصديق و لن يروا برهان ربهم ، لذلك يصبح الحل الأمثل هو خزق عيون النساء و إصابتهن بالعمى ، و ربما يستحسن البدء بإجراء تلك الجراحة الهامة مبكراً في سن الطفولة مع عملية الختان في يوم واحد ، أو أن يحتجب الرجال بدورهم تحقيقاً للعفة في الطرفين . أو أن نطلب من صديقتنا الصين التي تتفهم مواقفنا و تصنع لنا كل متعلقات و أدوات التعبد من دلع أطفال المسلمين بفوانيس رمضان إلى بوصلة الكعبة و السجادة المؤذنة ، أن تصنع لنا قفلاً إسلامياً بأرقام سرية ، و ليكن الشعار الجديد هو (قفل العفة ضمان و امان).

سادتي الفضلاء من تجار الدين السياسي في مصر المحروسة و أي مصر ، لو كان النقاب صانعاً للعفة ما أنجبت لنا نساء الجاهلية أبا بكر و عمراً و عثمان و طلحة و الزبير و حمزة و علي و غيرهم من خيرة رجال الدنيا و الدين ، لأن نساء الجاهلية كن سافرات ، و لما أنجبت لنا آمنة السافرة محمداً الصادق الأمين بتربيتها الجاهلية مثل كل هذه الأسماء العظيمة في تاريخنا ، و إن نساءاً ينجبن رجالاً كهؤلاء لا شك كُن عفيفات رغم الجاهلية ، فإذا كان المجتمع الجاهلي قد أنجز عفة ضميرية بدون نقاب ، بل كن حاسرات متبرجات ، و مع ذلك حفظت عفتهن النطف الأصيلة ، و ربتهم على القيم الأصيلة ، أفلا يكفل لنا الإيمان بالإسلام ذلك؟

سادتنا المشايخ المسيسين ، نحن نرى أن تقاليد مجتمعنا المصري وحدها كافية (كما كانت و كما ستظل) هي الضامن للأمان الاجتماعي و العفة و الخلق الرفيع ، شرط أن تعود مصرُ . . . مصراً .

Reply with a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *