Mon. Nov 19th, 2018

جذور الطائفية في المدارس الابتدائية

محمد سعد عبدالحفيظ
محمد سعد عبدالحفيظ

بوابة نيوز

قبل نحو 4 أعوام سألنى ابنى الأكبر عبد الرحمن وهو لا يزال فى الفرقة الرابعة من المرحلة الابتدائية، ولم يكن حينها أكمل عامه العاشر بعد، «هل يدخل يوسف زميلى الجنة؟» رددت على سؤاله بسؤال: «ولماذا لا يدخل يوسف الجنة؟»، فأجاب: لأن مدرس الدين أخبرنا بأن المسلمين فقط هم من سيدخلون الجنة وأن باقى البشر سيكون مصيرهم النار وبئس المصير، مضيفا: «إن الدين عند الله الإسلام ولن يقبل عند الله غيره»، وفقا لما قاله له مدرسه.

مدرس التربية الدينية، بحسب ما نقله لى ابني، طلب من تلامذته فى حصة الدين التى لا يحضرها غير المسلمين ألا يصادقوا المسيحيين أو يرافقوهم فى الدنيا «فالمرء على دين خليله، ورفيقك فى الدينا هو رفيقك فى الآخرة، وبما أن المسيحى لن يدخل الجنة فسترافقه فى النار إن اتخذته صديقا»، هذا ما حشره الرجل الذى عينته إحدى مدارس اللغات ليعلم الأطفال القيم والمبادئ التى حض عليها الدين الحنيف.

لم تكن تلك هى المرة الأولى التى يفتح فيها هذا المدرس الطائفى قضية العلاقة بين المسلمين والمسيحيين على أطفال لا يزالون فى طور التكوين بعد، فالرجل بدأ عملية التعبئة والشحن ضد المسيحيين منذ بداية العام الدراسي، وهو ما كان له بالغ التأثير على تفكير ابنى وللأسف لم أدركه إلا متأخرا، بعد أن تشتتت أفكاره بسبب مدرسه.

قبل هذا النقاش بأسابيع لاحظت أن علاقة ابنى بزملائه وجيرانه المسيحيين قد اختلفت، فلم يعد يصافحهم ولا يلعب معهم، وفجع عندما اكتشف أن أحد جيرانه وصديقه المقرب مسيحي، فغير معاملته معه هو الآخر، لدرجة أنه تلكأ فى تهنئته بعيد الميلاد المجيد عندما طلبت منه ذلك.

كشف لى النقاش الذى دار بيننا مدى الكارثة التى أوقعنا فيها مدرسه المتعصب، وقررت نقله هو وشقيقه من المدرسة التى تركت هذا الجاهل يزرع بذور الكراهية والتشدد فى التلاميذ.

حتى انتهاء إجراءات النقل أجريت مع ابنى عددًا من النقاشات والحوارات فى محاولة منى لجره بعيدا عن الوحل الذى سحبه إليه مدرسه، شرحت له فيها فلسفة نزول الأديان وكيف أن الله أنزلها على رسله لتهذيب البشر وتحجيم الكراهية والتعصب، وأنه سبحانه قدم حسن المعاملة على العبادات، ورسولنا الكريم قال: «لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر»، وهو ما يدل على أن التواضع وحب الناس وحسن معاملتهم بغض النظر عن دينهم أو لونهم هو شرط دخول الجنة.

وعددت لابنى علاقاتى بأصدقاء مسيحيين كان لهم أبلغ الأثر فى حياتي، كما استدعيت له من التاريخ نماذج لعلماء ومخترعين أفادوا البشرية بعلمهم ومخترعاتهم رغم كونهم غير مسلمين، فى المقابل ذكرت له أمثله لزعماء سالت الدماء أنهارا تحت أقدامهم وأبادوا الآلاف من البشر وهم يحملون راية الدفاع عن الإسلام.

سألت عبد الرحمن «لماذا لا يدخل يوسف الجنة وهو أكثركم محبة وتسامحا؟ ولماذا يدخل زميلكم فلان الجنة رغم أذيته لكم؟ هل فقط لأنه مسلم؟ أوليس الله عادلا رحيما؟».

تمكنت بعد جهد من إنقاذ ابنى من المستنقع الذى دفعه فيه مدرس متعصب حشر فى عقول تلاميذه التمييز والكراهية وهو يظن أنه يحسن عملا، لكن كم عبد الرحمن تمكن هذا المدرس ومن على شاكلته من السيطرة على عقولهم؟ وكم أب تمكن من اكتشاف هذه الجريمة؟ وكم منهم تمكن من إنقاذ أبنائه؟.

لا يمر شهر فى مصر دون أن تنقل الصحف أخبار احتقانات طائفية مرة بسبب ترميم كنيسة وأخرى بسبب «خناقة» بين مسيحى ومسلم، يتراشق فيها الطرفان وتتحول مع الوقت إلى أزمة، وبعد وقوع تلك الوقائع يبدأ الجميع فى إعادة طرح الأسئلة التى تطرح منذ سبعينيات القرن الماضى «كيف حدث ذلك؟ ولماذا وصلنا إلى هذه المرحلة؟».

قبل أيام تناقل بعض المواقع الصحفية وقائع «خناقة» بين رجل أمن وخادم بإحدى الكنائس، تراشق فيها الطرفان بالألفاظ، ونعت رجل الأمن مرتادى الكنيسة بالكفر، فقررت الجهات المختصة إيقافه عن العمل وإحالته للتحقيق، وقبلها بأسابيع أوقفت أجهزة الأمن ما وصفته التقارير الإعلامية بأنه «مضطرب نفسيا» حاول اقتحام كنيسة مار جرجس بمنطقة حمامات القبة بالقاهرة، ونجحت قوات الأمن حينها فى السيطرة عليه وإحالته للتحقيق.

تحدث تلك الحوادث بشكل دوري، يتم السيطرة عليها عادة لكن فى بعض الأحيان يفلت بعض من تصفهم الأجهزة والإعلام بالمضطربين وتتحول محاولاتهم إلى مآس تفجع الدولة والمجتمع، ويعاد طرح الأسئلة المكررة، دون أن ينظر أحد فى جذور الأزمة القائمة فى مدارسنا ومساجدنا.

المدارس فى مصر وللأسف تحولت فى العقود الأربعة الأخيرة إلى مستودعات لتفريخ متشددين بعد أن تركنا العائدين من منابت الإرهاب والتشدد وتلامذتهم يبثون فيها أفكارهم التى لا تعرف الآخر ولم تعترف يوما به، ووضعنا فى المناهج وطرق التربية جسرا عزلنا به أولادنا عن بعضهم البعض ما عمق التمييز والانقسام.

لن تستقيم الأمور وتتوقف محاولات المضطربين عقليا لاقتحام الكنائس، ولن تنتهى ظاهرة تحول «خناقات» المسلم والمسيحى إلى حوادث طائفية، إلا إذا عالجنا جذور الخلل المنتشر فى المدارس، فلا يعقل أن يستمر مدرس فى تسميم عقول أولادنا وتخريبها بدعوى وضعهم على طريق الجنة

        ونتركه يكمل مشواره، ولا يعقل أن نحارب التمييز ونحن نفصل بين أطفال فى حصص الدين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *